رسالة من المؤسس

A letter from the founder

اليد المرفوعة

لوحةُ فاوانيا، بمئة دولار.

أصدقائي الأعزاء، شكرًا لكم لأنكم فتحتم هذه الرسالة. يسرّني أن أروي لكم فيها بضع قصص لم أروِها من قبل.

كنت في الثامنة أو التاسعة من عمري حين مررتُ وأمي، على غير موعد، بقاعة مزاد. كانت تلك أول مرة أرى فيها هذا العدد من الكبار جالسين في صمت، لا ينتظرون شيئًا سوى أن يرفع أحدهم يده. فرفعتُ يدي. لا أذكر فيمَ كنت أفكر؛ أظنني أردت فقط أن أعرف كيف يكون الشعور حين تُرفع اليد. لم يتجاوزني الدلّال لأنني طفل، بل أهوى بالمطرقة. التفتت القاعة كلها نحوي، وتملّكني خوف لا أنساه. لم تكن سوى لوحة بمئة دولار لرسّام مجهول، غير أن هذا المبلغ كان يفوق ما أدّخره من مصروفي في عام كامل. ظننت أنني إن تظاهرت بالغفلة نجوت من الحساب. أما أمي فظلّت جالسة منتصبة القامة، وانتظرت حتى حُمل إليها الإيصال، فألقت عليه نظرة ودفعت، ثم قالت لي: هذه المرة أدفع أنا، لكن تذكّر أن اليد التي ارتفعت كانت يدك. وفي طريق العودة لم تعد إلى الأمر بكلمة، فكان ذلك أرسخ في ذاكرتي من أي موعظة. اللوحة زهرة فاوانيا بالحبر، رسمها فنان لم يترك اسمًا. وما زالت معلّقة قريبًا مني؛ خفّ الحبر قليلًا، والزهرة ما زالت متفتّحة. ولم أفهم ما جرى في ذلك اليوم إلا بعد سنوات طويلة: أن إنسانًا راشدًا عامل طفلًا في الثامنة على أنه قادر على أن يتحمّل تبعة ما فعل. كان في وسعها أن تُنزل يدي، أو أن تمرّ بالأمر ضاحكة. فلم تفعل هذه ولا تلك. أول مقتنياتي، وكل ما فعلته منذ ذلك الحين، بدأ بضربة المطرقة تلك.

وإذ أكتب هذه الرسالة، أودّ أن أقول أولًا ما الذي نراه، ثم لماذا نراه على هذا النحو. في السنوات العشر المقبلة سينجز الذكاء الاصطناعي أشياء كثيرة بسرعة وإتقان. وهذا لا يقلقني. فقد أحببت الحواسيب منذ الصغر (ولعلّ لسنوات المراهقة التي أنفقتها في لعبة «عالم ووركرافت» يدًا في ذلك)، ولا يزيدني منظر الآلات وهي تزداد اقتدارًا إلا سرورًا. ما يشغلني أمر آخر: فكلما ازدادت الآلات اقتدارًا، ازدادت وضوحًا تلك الأسئلة التي لا تُعنى بها. ما الذي يهمّ الناس حقًا؟ ولماذا؟ ولأجل من؟ كانت هذه الأسئلة فيما مضى لا تكلّف شيئًا، لأن لدى كل امرئ جوابًا جاهزًا عنها؛ أما من الآن فصاعدًا فستغلو شيئًا فشيئًا، لأن الجواب لا بدّ أن يُبحث عنه. أعتقد أن المؤسسات الثقافية المهمة القادمة ستولد حيث تلتقي التكنولوجيا بالثقافة، وأن المدن التي تستحق أن يُعاش فيها غدًا هي تلك التي تحفظ أهلها وتأخذ بأيديهم إلى الازدهار. وARTIFACT Futures مستعدة لأن تراهن على هذا الحكم، ومستعدة لأن تنتظر. وإن نظرتم معي إلى الطريق التي جئت منها، عرفتم لماذا أفكر على هذا النحو.

في طفولتي طافت بي أسرتي بلدانًا كثيرة، وكنت مولعًا بجمع عملاتها المعدنية والورقية. كانت أوراق كل بلد تدخل، ورقةً ورقة، في ألبومات، وفي الليل أقلّب صفحاتها كمن يقرأ خريطة بلا كلمات. ومن أكثر النظر فيها لحظ أمرًا طريفًا: الورقة النقدية هي ما تضعه الدولة كل يوم في يد كل إنسان، وما تضعه هناك إنما اختارته اختيارًا. فمنها ما يطبع صور مؤسّسيه، ومنها ما يطبع شعراءه وعلماءه، ومنها ما لا يطبع أحدًا، بل جسرًا أو طائرًا أو امتداد تلال. وما يضعه شعبٌ في كل يد هو ما يعزّ عليه. وقد سمّيت ذلك فيما بعد الرسالة التي يكتبها شعب إلى العالم. وما تتحدث عنه هذه الرسالة، بلا استثناء، هو الإنسان، أو ما يعزّ على الإنسان.

بعد أن أتممت دراستي عملت في إحدى دور المزادات في نيويورك، حيث مرّت بين يديّ أعمال لي فو وغيره من كبار الفنانين الفيتناميين. ذلك الجيل من الرسامين تعلّم في باريس ثم التفت يرسم وطنه، فجاء ما صنعوه لا هو من هانوي ولا هو من باريس، وهو مع ذلك صادق مع المدينتين معًا. بدأت أقتني لوحاتهم، وأتساءل عن المدينة التي خرجوا منها. وبعد سنوات ذهبت مع فريقي إلى هانوي للبحث. وفي أول يوم لي في ذلك البلد خرجت وحدي وأوقفت دراجة نارية. سألني السائق: هل أكلت؟ قلت: لا. فلم يسألني بعدها إلى أين أذهب، بل أخذني إلى محل «فو» في عمق أحد الأزقة. لم يكن فيه سوى مقاعد بلاستيكية واطئة، وبضع ورقات من النعناع تطفو على مرق صافٍ. وعلى مدى السنوات التالية استقبلنا فنانو المدينة وباحثوها والمسؤولون عن الثقافة فيها كما استقبلني ذلك السائق: يسألونك أولًا هل أكلت، ثم من أنت. وفي كنف ذلك الودّ نمت VAC من مجموعة بحثية إلى واحدة من أنشط المؤسسات الثقافية في فيتنام. ولم أحسب ذلك يومًا من صنع يدي. فالمدينة تبدأ باحتضان إنسان واحد، ولا يعرف إلى أي مدى يبلغ أثر ذلك إلا من احتُضن يومًا. وصار هذا طريقتنا في اختيار مدننا.

أصدقاؤنا في الوسط الثقافي في شنغهاي أفسحوا لفريقنا مكانًا ونحن بعدُ صغار، أصغر من أن نستحق مكانًا، ثم حفظوه لنا عامًا بعد عام. وبعض كبار أهل الفن والثقافة مدّوا أيديهم عند كل منعطف تقريبًا، ولم يذكروا مقابلًا قط. وفي وادي السيليكون كان مؤسسون وباحثون ومستثمرون شباب موهوبون يقبلون أن يأتوا مساء يوم عمل إلى عشاء في صالة عرض، فيقلبوا هواتفهم على وجوهها، ويتحدثوا حتى ساعة متأخرة من الليل عن الذاكرة والإبداع، وعمّا سيكون عليه الأمر بين التكنولوجيا والإنسان في المستقبل. وحين انفضّت الأمسية لم يسأل أحد ماذا جنى منها، لكن الجميع تواعدوا على لقاء قريب. أعظم حظٍّ نلته في حياتي أنني التقيت، عبر الاقتناء والفن ومجتمعٍ بعد مجتمع، بكل هؤلاء الذين قبلوا أن يعينوني، ولم يطلب واحد منهم شيئًا في المقابل. ومن أطال التأمل في ذلك خلص إلى نتيجة واحدة: أن أساس المؤسسة ليس في المؤسسة نفسها قط، بل في من يختارون أن يثقوا بها. ولهذا، حين بدأنا ندعم المفكرين والمؤسسين، راهنّا نحن أيضًا على الإنسان أولًا، ثم تحدثنا عن النتائج. وقد رأيت من يسير بالترتيب المعكوس، وشعرت دائمًا أن شيئًا ينقصه: ينقص المجتمعَ والمدينة، وينقص الأمرَ نفسه.

أول ما رأيت التكنولوجيا تلتقي بالفن كان قبل قيام ARTIFACT Futures بسنوات طويلة. فقبل أكثر من عقد، في كامبريدج، أنتجتُ مع أستاذي فريدريك بيكر فيلمًا فنيًا صُنع ليُعرض بالإسقاط الضوئي؛ صُوِّر في كلية الملك، وكان أول عرض له على نهر الكام، تحت كنيسة كلية الملك. في تلك الليلة ارتفع ضوء خافت من جهاز العرض فوق صفحة الماء، واستقرّ بين أقواس الجسر وأشجار الصفصاف، وأرخى أصحابُ القوارب في النهر مَراديَهم. كان المشهد جميلًا حقًا. ثم شاركته لاحقًا في بلورة فكرة «حديقة كليمت السحرية». وبعد بضع سنوات، في متحف الفنون التطبيقية في فيينا، صار الزائر يضع نظّارة الواقع الافتراضي فيمشي داخل حديقة كليمت؛ وكان ذلك العمل من آخر أعماله في حياته. رحل قبل سنوات قليلة، وبعد رحيله ببضع سنوات أُوقفت خدمة «سكايب» التي طالما تراسلنا عليها. وقد أحزنني ذلك. وكثيرًا ما أفكر في أن أستاذًا هو من أخذ بيد تلميذ لم يكن شيئًا بعد، ليريه ذلك الضوء الخاص الذي يظهر حين تلتقي التكنولوجيا بالفن. ولو تُركت لنفسي لما كنت واثقًا من أنني سأهتدي إليه. إن اللحظة التي يكون فيها المرء في أمسّ الحاجة إلى من يؤمن به هي بعينها اللحظة التي لا يملك فيها ما يثبت به نفسه. وقد نلت تلك الثقة، فلذلك أجرؤ، في وقت مبكر، على أن أمنح الثقة نفسها لمبتكرين أصغر مني سنًا.

أحببت التكنولوجيا منذ الصغر، وحملتني مهنتي نحو الثقافة، فصار لي أصدقاء على الجانبين. ونادرًا ما يجلس هذان الفريقان إلى طاولة واحدة، لكن كلًّا منهما، على ما أرى، يحمل فضولًا صادقًا تجاه الآخر؛ غير أن أحدًا لم ينصب لهما هذه الطاولة. ومنذ أن جاء الذكاء الاصطناعي صارت هذه الطاولة فجأة أمرًا ذا شأن. فكل خطوة تخطوها التكنولوجيا تضع في يد الإنسان سؤالًا جديدًا: ما الذاكرة؟ وما الذي يُعدّ إبداعًا؟ وماذا يبقى من الإنسان حين تسبقه الآلة؟ هذه كلها أسئلة إنسانية، ظلّت الثقافة تجيب عنها منذ آلاف السنين؛ غير أن الأجوبة متناثرة في الكتب واللوحات، وفي المعابد والأسواق، تنتظر من يذهب فيأتي بها. وما تفعله ARTIFACT Futures يسير في وصفه: نهيّئ الطاولة ونُجلس إليها الباحثين والفنانين والمؤسسين وصانعي السياسات، وندعم في وقت مبكر من يقبلون أن يجلسوا ويبنوا. نبحث، وننشر، ونعقد اللقاءات، ونقيم البرامج التعليمية، ونعين الصنّاع والباحثين الشباب على أن يبتكروا ويتبادلوا، ووراء ذلك كله فكرة واحدة: الثقافة تضيء المجتمع، وحين تدبّ الحياة في المجتمع تكتسب مدينته معنى. والمدينة التي تنهض بأهلها ينهضون بها.

وإذ أتطلع إلى المستقبل، لا أملك إلا أن أذكر العامين الماضيين؛ فما زرت أبوظبي مرة إلا وأخذتني هذه الواحة في قلب الصحراء، ولست ممن يسهل أخذهم. أما أن ساحلًا وصحراء صارا في جيلين دولة في طليعة العالم، فأمر يعرفه الجميع. والذي يعنيني أكثر هو: كيف؟ في العين رأيت الأفلاج، وعمرها ألف عام. ما زال الماء، على قلّته، يجري تحت ظلال الواحة، مقسومًا بالعدل بين البيوت جميعًا. وهناك وُلد زايد. وجلست أيضًا في مجلس، حيث يجتمع الناس ليلتقوا ويتحادثوا: الباب مفتوح، ولكل من يأتي مكان، والكبار والشباب، والضيف البعيد والجار القريب، في حلقة واحدة، والقهوة والتمر يدوران على الحاضرين دورةً بعد دورة، والكلام يُقال وجهًا لوجه، والأمور تُحسم بين الناس. الأولى تضع الموارد في وسط الناس، والثانية تضع القرار في وسطهم. شعبٌ رتّب حياته على هذا النحو قبل قرون، وحين يبني اليوم المتاحف ويفكر في ما سيكون بعد خمسين عامًا، فإنما يعمل بالعقل نفسه: نظر بعيد إلى المستقبل، وإعزاز كبير للإنسان. وأشعرني ذلك بأن الطاولة التي كنت أتخيلها لها هنا اسم منذ زمن بعيد. وفي عام 2026 نحملها إلى موطنها. هناك يُختتم تساؤلنا السنوي، ومن هناك يبدأ التالي. فمن يفكرون في المستقبل ينبغي أن يجتمعوا حيث يُعزّ الإنسان.

علّمتني القصة التي بدأت بها هذه الرسالة أن الوعد متى قُطع وجب الوفاء به. ولذلك أودّ أن أدوّن السطور التالية، لأصدقائنا ولأنفسنا. نحن نخطّط على مدى عشر سنوات. فما كان ذا قيمة باقية للناس فعلناه، وإن لم يلُح في الأفق عائد؛ وما كان ضجّةً تخبو ولا تترك أثرًا آثرنا أن يفوتنا. ندعم الإنسان أولًا، ونتحدث عن النتائج بعد ذلك. سنبقى منفتحين، ويبقى باب الفرصة مفتوحًا لمن يأتي بعدنا. وسنواصل الحديث بلغات عدة، لأن الفهم يبدأ من لغة الآخر. ولا نحاسب أنفسنا إلا بمقياس واحد: بعد سنوات، كم من الناس مضوا أبعد لأننا كنا هناك.

وثمة أمور لن نفعلها: لن نتخلى عن خُلُقنا من أجل الحجم، ولن نقول ما يجافي الصدق من أجل لحظة من الاهتمام، ولن نبدّد ثقة الأصدقاء كأنها مورد من الموارد. كُتبت هذه السطور هنا ليستطيع أحدٌ يومًا ما أن يحاسبنا عليها. فالوعد المكتوب، كتلك اليد التي رفعتها وأنا في الثامنة، وعدٌ لا بدّ من الوفاء به.

وعلّمتني أمي أمرًا آخر: «أعطِ أكثر، واطلب أقل». ليس لهذه المؤسسة سرّ. ليس لها إلا جماعة من الأصدقاء في أركان مختلفة من العالم، يفعلون الشيء نفسه بطرق مختلفة، وطاولة لا تزال تزداد طولًا. وأرجو، بعد سنوات، حين يذكر الناس ARTIFACT Futures، أن يتذكروا من أعانت على الازدهار، لا كم كان مقامها عاليًا.

شكرًا لكم لأنكم ارتضيتم أن تسيروا معنا في هذا الطريق.

Muchun Niuالمؤسسخريف 2026

من نحن